الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قَوْلُهُ: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ الْآيَةَ، الصَّيِّبُ مِنَ الْمَطَرِ: الشَّدِيدُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: صَابَ يَصُوبُ، إِذَا نَزَلَ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ، وَالسَّمَاءُ: كُلُّ مَا ارْتَفَعَ وَعَلَا، يُقَالُ لِسَقْفِ الْبَيْتِ: سَمَاءٌ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ، وَالسَّمَاءُ: السَّحَابُ مِنْ: سَمَا يَسْمُو. وَقَوْلُهُ: "فِيهِ" أَيْ فِي ذَلِكَ الصَّيِّبِ، ظُلُمَاتٌ: جَمْعُ ظُلْمَةٍ، وَالْمَطَرُ لَا يَخْلُو مِنْ ظُلْمَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي مِنَ السَّحَابِ، وَالسَّحَابُ يُغْشِي الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ، وَالنُّجُومَ بِاللَّيْلِ فَيُظْلِمُ الْجَوَّ. قَوْلُهُ: "وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ": رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: أَقْبَلَتْ يَهُودُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، إِنَّا نَسْأَلُكَ عَنْ أَشْيَاءَ، فَإِنْ أَجَبْتِنَا عَنْهَا اتَّبَعْنَاكَ، أَخْبِرْنَا عَنِ الرَّعْدِ مَا هُوَ؟ قَالَ: "مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ، مَعَهُ مَخَارِيقُ مِنْ نَارٍ يَسُوقُ بِهَا السَّحَابَ حَيْثُ مَا أَمَرَ اللَّهُ"، فَقَالُوا: فَمَا هُوَ الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُهُ؟ قَالَ: "زَجْرَةُ السَّحَابِ، إِذَا زَجَرَهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى حَيْثُ أَمَرَ اللَّهُ"، فَقَالُوا: صَدَقْتَ. وَقَالَ أَصْحَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ : مُجَاهِدٌ وَطَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ : الرَّعْدُ: مَلَكٌ يَزْجُرُ السَّحَابَ بِصَوْتِهِ، وَيَسُوقُهُ، وَالرَّعْدُ الَّذِي هُوَ الصَّوْتُ سُمِّيَ بِهِ، وَسُئِلَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَنِ الرَّعْدِ، فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّصْرَابَاذِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودٍ الْأَصْفَهَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْقُطَعِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا سَمِعْتُمُ الرَّعْدَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُ ذَاكِرًا " . وَالْبَرْقُ: مَصْعُ مَلَكٍ يَسُوقُ السَّحَابَ. وَقَالَ عَلِيٌّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْبَرْقُ: مَخَارِيقُ بِأَيْدِي الْمَلَائِكَةِ. وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى الْبَرْقَ وَسَمِعَ الصَّوَاعِقَ قَالَ: " اللَّهُمَّ لَا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَلَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ" ، وَأَمَّا مَعْنَى الْآيَةِ، فَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ضَرَبَ لِلْمُنَافِقِينَ مَثَلًا آخَرَ وَشَبَّهَهُمْ بِأَصْحَابِ مَطَرٍ ، وَمَعْنَى "أَوْ كَصَيِّبٍ": أَوْ كَأَصْحَابِ صَيِّبٍ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، وَأَرَادَ بِالْمَطَرِ: الْقُرْآنَ، وَشَبَّهَهُ بِالْمَطَرِ لَمَّا فِيهِ مِنْ حَيَاةِ الْقُلُوبِ، وَبِالظُّلُمَاتِ: لَمَّا فِي الْكُفْرِ مِنْ ذِكْرِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَبَيَانِ الْفِتَنِ وَالْأَهْوَالِ، وَبِالرَّعْدِ: لَمَّا خُوِّفُوا بِهِ مِنَ الْوَعِيدِ وَذِكْرِ النَّارِ، وَبِالْبَرْقِ: حُجَجَ الْقُرْآنِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْبَيَانِ وَالنُّورِ وَالشِّفَاءِ وَالْهُدَى، وَشَبَّهَ جَعْلَ الْمُنَافِقِينَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ لِكَيْلَا يَسْمَعُوا مَا يَنْزِلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا فِيهِ افْتِضَاحُهُمْ بِجَعْلِ الَّذِي فِي هَذَا الْمَطَرِ أَصَابِعَهُ فِي أُذُنِهِ كَيْلَا يَسْمَعَ صَوْتَ الرَّعْدِ، وَالصَّوَاعِقُ: وَهِيَ جَمْعُ صَاعِقَةٍ، وَالصَّاعِقَةُ وَالصَّعْقَةُ: الصَّيْحَةُ، يُغْشَى مِنْهَا عَلَى مَنْ يَسْمَعُهَا أَوْ يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ ، وَيُقَالُ لِلرَّعْدِ وَالْبَرْقِ إِذَا قَتَلَ إِنْسَانًا: أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ. وَقِيلَ: الصَّاعِقَةُ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ مِنَ الرَّعْدِ يَسْقُطُ مَعَهَا قِطْعَةُ نَارٍ. وَقَوْلُهُ: حَذَرَ الْمَوْتِ : قَالَ الزَّجَّاجُ : إِنَّمَا نُصِبَ "حَذَرَ" لِأَنَّهُ فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: يَحْذَرُونَ حَذَرًا؛ لِأَنَّ جَعْلَ الْأَصَابِعِ فِي الْآذَانِ يَدُلُّ عَلَى الْحَذَرِ. وَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ : قَالَ مُجَاهِدٌ : جَامِعُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ: أَحَاطَ بِكَذَا إِذَا لَمْ يَشِذَّ مِنْهُ شَيْءٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ، أَيْ: لَمْ يَشِذَّ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، وَجَاءَ فِي التَّفْسِيرِ: وَاللَّهُ مُهْلِكُهُمْ، يُقَالُ: أَحَاطَ بِفُلَانٍ، إِذَا دَنَا هَلَاكُهُ فَهُوَ مُحَاطٌ بِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ أَيْ: أَصَابَهُ مَا أَهْلَكَهُ وَأَفْسَدَهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ أَيْ: تَهْلَكُوا جَمِيعًا. وَقَوْلُهُ: يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ : كَادَ: مَوْضُوعٌ عِنْدَ الْعَرَبِ لِمُقَارَبَةِ الْفِعْلِ، وَكِدْتُ أَفْعَلُ مَعْنَاهُ عِنْدَ الْعَرَبِ: قَارَبْتُ الْفِعْلَ وَلَمْ أَفْعَلْ، وَمَا كِدْتُ أَفْعَلُ مَعْنَاهُ: فَعَلْتُ بَعْدَ إِبْطَاءٍ. وَالْخَطْفُ: أَخْذٌ بِاسْتِلَابٍ، يُقَالُ: خَطَفَ يَخْطِفُ خَطْفًا، وَمِنْهُ الْخُطَّافُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ تَمَامِ التَّمْثِيلِ، وَالْمَعْنَى: يَكَادُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْحُجَجِ النَّيِّرَةِ يَخْطِفُ قُلُوبَهُمْ مِنْ شِدَّةِ إِزْعَاجِهَا إِلَى النَّظَرِ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ، كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ الْبَرْقُ، مَشَوْا فِيهِ لِاهْتِدَائِهِمْ إِلَى الطَّرِيقِ بِضَوْءِ الْبَرْقِ، كَذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ كُلَّمَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ مِمَّا يُحِبُّونَ صَدَّقُوا، وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ الطَّرِيقُ، قَامُوا أَيْ: وَقَفُوا، كَذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ كُلَّمَا سَمِعُوا شَيْئًا مِمَّا يَكْرَهُونَ وَيُنْكِرُونَ وَقَفُوا عَنْ تَصْدِيقِهِ، وَتَمَّ التَّمْثِيلُ هَاهُنَا، ثُمَّ أَوْعَدَهُمْ فَقَالَ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ أَيْ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَاهُمْ فَذَهَبَ بِأَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمُ الظَّاهِرَةِ حَتَّى يَصِيرُوا صُمًّا عُمْيًا، كَمَا ذَهَبَ بِأَسْمَاعِهِمْ وَبِأَبْصَارِهِمُ الْبَاطِنَةِ، إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَيْ أَنَّهُ ذُو قُدْرَةٍ عَلَى إِيقَاعِ مَا أَوْعَدَهُمْ بِهِ، فَلْيَحْذَرُوا عَاجِلَ عُقُوبَةِ اللَّهِ وَآجِلَهُ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية