الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ : هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا قَسَّمَ النُّورَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ أَعْطَى الْمُنَافِقِينَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ نُورًا، حَتَّى إِذَا سَارُوا عَلَى الصِّرَاطِ طُفِئَ نُورُهُمْ، قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ، حَيْثُ يُعْطِيهِمْ مَا لَا يَتِمُّ وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَرُوِيَ عَنْهُ -أَيْضًا- أَنَّهُ قَالَ: هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُطْلِعُ الْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ فِي الْجَنَّةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَهُمْ فِي النَّارِ، فَيَقُولُونَ لَهُمْ: أَتُحِبُّونَ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ لَهُمْ بَابٌ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: ادْخُلُوا، فَيَسِيرُونَ وَيَنْقَلِبُونَ فِي النَّارِ، فَإِنِ انْتَهَوْا إِلَى الْبَابِ سُدَّ عَنْهُمْ وَرُدُّوا إِلَى النَّارِ، وَيَضْحَكُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَادِكِ بْنِ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ الْكِلَابِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو جُنَادَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ خَيْثَمَةَ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُؤْمَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِنَاسٍ مِنَ النَّاسِ إِلَى الْجَنَّةِ، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْهَا وَاسْتَنْشَقُوا رَائِحَتَهَا، وَنَظَرُوا إِلَى قُصُورِهَا، وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، نُودُوا أَنِ اصْرِفُوهُمْ عَنْهَا لَا نَصِيبَ لَهُمْ فِيهَا، قَالَ: فَيَرْجِعُونَ بِحَسْرَةٍ مَا رَجَعَ بِمِثْلِهَا الْأَوَّلُونَ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا لَوْ أَدْخَلْتَنَا النَّارَ قَبْلَ أَنْ تُرِيَنَا مَا أَرَيْتَنَا مِنْ ثَوَابِكَ وَمَا أَعْدَدْتَ فِيهَا لِأَوْلِيَائِكَ كَانَ أَهْوَنَ عَلَيْنَا، قَالَ: ذَلِكَ أَرَدْتُ بِكُمْ، كُنْتُمْ إِذَا خَلَوْتُمْ بِي بَارَزْتُمُونِي بِالْعَظَائِمِ، وَإِذَا لَقِيتُمُ النَّاسَ لَقِيتُمُوهُمْ مُخْبِتِينَ، تُرَاءُونَ النَّاسَ بِخِلَافِ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، هِبْتُمُ النَّاسَ وَلَمْ تَهَابُونِي وَأَجْلَلْتُمُ النَّاسَ وَلَمْ تُجِلُّونِي، وَتَرَكْتُمْ لِلنَّاسِ وَلَمْ تَتْرُكُوا لِي، فَالْيَوْمَ أُذِيقُكُمُ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ، مَعَ مَا حَرَمْتُكُمْ مِنَ الثَّوَابِ". قَوْلُهُ: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ أَيْ: يُمْهِلُهُمْ وَيُطَوِّلُ أَعْمَارَهُمْ وَمُدَّتَهُمْ، وَالطُّغْيَانُ: مَصْدَرٌ كَالرُّجْحَانِ وَالْكُفْرَانِ، وَمَعْنَاهُ: مُجَاوَزَةُ الْقَدْرِ، وَكُلُّ شَيْءٍ جَاوَزَ الْقَدْرَ فَقَدْ طَغَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ ، وَقِيلَ لِفِرْعَوْنَ : إِنَّهُ طَغَى ، أَيْ: أَسْرَفَ حَيْثُ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ، وَمَعْنَى يَعْمَهُونَ: يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ، يُقَالُ: عَمِهَ الرَّجُلُ يَعْمَهُ فَهُوَ عَامِهٌ وَعَمِهٌ إِذَا حَارَ عَنِ الْحَقِّ. قَوْلُهُ: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى حَقِيقَةُ الِاشْتِرَاءِ: الِاسْتِبْدَالُ، وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ مَنْ آثَرَ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ مُشْتَرِيًا لَهُ وَبَائِعًا لِلْآخَرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ شِرَاءٌ وَلَا بَيْعٌ ظَاهِرٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَخَذُوا الضَّلَالَةَ وَتَرَكُوا الْهُدَى. وَقَوْلُهُ: فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ الرِّبْحُ: الزِّيَادَةُ عَلَى أَصْلِ الْمَالِ، وَالتِّجَارَةُ: تَقْلِيبُ الْأَمْوَالِ وَتَصْرِيفُهَا لِطَلَبِ النَّمَاءِ، يُقَالُ: تَجَرَ الرَّجُلُ يَتْجُرُ تِجَارَةً فَهُوَ تَاجِرٌ. وَالْمَعْنَى: مَا رَبِحُوا فِي تِجَارَتِهِمْ، وَأَضَافَ الرِّبْحَ إِلَى التِّجَارَةِ لِأَنَّ الرِّبْحَ يَكُونُ فِيهَا، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: رَبِحَ بَيْعُكَ، وَخَسِرَ بَيْعُكَ، وَخَابَ سَعْيُكَ. عَلَى مَعْنَى: رَبِحْتَ فِي بَيْعِكَ، فَيُسْنِدُونَ الرِّبْحَ إِلَى الْبَيْعِ، وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ أَيْ: مُصِيبِينَ فِي تِجَارَتِهِمْ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية