الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ قَوْلُهُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ : النَّاسُ: لَفْظٌ وُضِعَ لِلْجَمْعِ كَالنَّوْمِ وَالرَّهْطِ وَالْجَيْشِ وَوَاحِدُهُ: إِنْسَانٌ، لَا مِنْ لَفْظِهِ. وَقَوْلُهُ: وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَسُمِّيَ آخِرًا لِأَنَّهُ بَعْدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا. وَقَوْلُهُ: وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ : جَمْعٌ بَعْدَ التَّوْحِيدِ فِي (مَنْ يَقُولُ) لِأَنَّ لَفْظَ "مَنْ" يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَلِلْجَمِيعِ، فَقَوْلُهُ: (مَنْ يَقُولُ) يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجَمْعُ وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ عَلَى وَاحِدٍ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُنَافِقِينَ حِينَ أَظْهَرُوا كَلِمَةَ الْإِيمَانِ وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّا مُؤْمِنُونَ وَيُظْهِرُونَ كَلِمَةَ الْإِيمَانِ، ثُمَّ نَفَى اللَّهُ عَنْهُمُ الْإِيمَانَ فَقَالَ: وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ لَيْسَ الْإِقْرَارَ فَقَطْ. قَوْلُهُ: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا : يُخَادِعُونَ: يُفَاعِلُونَ مِنَ الْخَدْعِ، يُقَالُ: خَدَعْتُهُ خَدْعًا وَخَدَعًا وَخَدِيعَةً، إِذَا أَظْهَرَ لَهُ غَيْرَ مَا يُضْمِرُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ يُظْهِرُونَ غَيْرَ مَا فِي نُفُوسِهِمْ لِيَدْرَءُوا عَنْهُمْ أَحْكَامَ الْكُفْرِ فِي ظَاهِرِ الشَّرِيعَةِ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِزْيَةِ وَغَيْرِهِمَا. فَإِنْ قِيلَ: الْمُفَاعَلَةُ تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَجِلُّ أَنْ يُشَارِكَهُمْ فِي الْخِدَاعِ، فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ: يُخَادِعُونَ اللَّهَ؟ قِيلَ: يُخَادِعُونَ هَاهُنَا بِمَعْنَى: يَخْدَعُونَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : خَادَعْتُ الرَّجُلَ بِمَعْنَى: خَدَعْتُهُ وَالْمُفَاعَلَةُ كَثِيرًا مَا يَقَعُ مِنَ الْوَاحِدِ، كَالْمُعَافَاةِ وَالْمُعَاقَبَةِ وَطَارَقْتُ النَّعْلَ عَلَى هَذَا. وَقَالَ الْحَسَنُ : يُخَادِعُونَ اللَّهَ: أَيْ نَبِيَّهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيَّهُ بِدِينِهِ، فَمَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ، وَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ، وَإِذَا خَادَعُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ خَادَعُوا اللَّهَ. وَقَوْلُهُ: وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ قُرِئَ بِوَجْهَيْنِ: فَمَنْ قَرَأَ بِالْأَلِفِ قَالَ: هُوَ مِنَ الْمُفَاعَلَةِ الَّتِي تَقَعُ مِنَ الْوَاحِدِ كَقَوْلِهِ: يُخَادِعُونَ اللَّهَ ، فَلَمَّا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْأَلِفِ فِي قَوْلِهِ: يُخَادِعُونَ اللَّهَ أُجْرِيَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ طَلَبًا لِلتَّشَاكُلِ. وَمَنْ قَرَأَ: يَخْدَعُونَ قَالَ: إِنَّ فَعَلَ أُوِّلَ بِفِعْلِ الْوَاحِدِ مِنْ فَاعَلَ الَّذِي فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ يَكُونُ لِفَاعِلِينَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ:وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ : هُوَ أَنَّهُمْ طَلَبُوا الْخِدَاعَ فَلَمْ يَخْدَعُوا اللَّهَ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَمَا خَدَعُوا إِلَّا أَنْفُسُهُمْ؛ لِأَنَّ وَبَالَ خِدَاعِهِمْ عَادَ عَلَيْهِمْ، لَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُطْلِعُ نَبِيَّهُ عَلَى أَسْرَارِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ فَيَفْتَضِحُونَ فِي الدُّنْيَا، وَيَسْتَوْجِبُونَ الْعِقَابَ فِي الْعُقْبَى. وَقَوْلُهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيْ: وَمَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَخْدَعُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَأَنَّ وَبَالَ خِدَاعِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَجَمِيعُ الْمُفَسِّرِينَ: أَيْ: شَكٌّ وَنِفَاقٌ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ : الْمَرَضُ فِي الْقَلْبِ: كُلُّ مَا خَرَجَ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنَ الصِّحَّةِ فِي الدِّينِ. وَقَوْلُهُ: فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا أَيْ: بِمَا أَنْزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَشَكُّوا فِيهِ كَمَا شَكُّوا فِي الَّذِي قَبْلَهُ. قَوْلُهُ: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : الْأَلِيمُ بِمَعْنَى الْمُؤْلِمِ، كَالسَّمِيعِ بِمَعْنَى الْمُسْمِعِ، وَهُوَ الْعَذَابُ الَّذِي يَصِلُ وَجَعُهُ إِلَى قُلُوبِهِمْ. قَوْلُهُ: بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ : "مَا" : فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ، أَيْ: بِتَكْذِيبِهِمْ وَبِكَوْنِهِمْ مُكَذِّبِينَ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ يَكْذِبُونَ بِالتَّخْفِيفِ، مِنَ الْكَذِبِ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ، وَهَذَا كَذِبٌ مِنْهُمْ، وَبَعْدَهُ قَوْلُهُ: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِمْ فِي دَعْوَى الْإِيمَانِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ يَعْنِي: تَكْذِيبَ الْأَنْبِيَاءِ، قَالَ: وَمَنْ خَفَّفَهَا فَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِمَا يَعْلَمُ اللَّهُ خِلَافَهُ فِي قُلُوبِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية