الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ وَالْفَجْرِ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِفَجْرِ النَّهَارِ، وَهُوَ انْفِجَارُ الصُّبْحِ كُلَّ يَوْمٍ، وَهَذَا قَوْلُ عِكْرِمَةَ ، وَرِوَايَةُ أَبِي نَصْرٍ ، وَأَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ مُحَيْصِنٍ : هُوَ فَجْرُ الْمُحَرَّمِ. وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ . قَالَ: أَقْسَمَ بِأَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ يَنْفَجِرُ مِنْهُ السَّنَةُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ : هُوَ فِي ذِي الْحِجَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَرَنَ الْأَيَّامَ بِهَا، فَقَالَ: وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَهِيَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُسَيِّبِيُّ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِصْمَةَ ، نَا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ ، نَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ ، نَا أَبِي، نَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: اللَّيَالِي الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِنَّ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَالشَّفْعِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَالْوَتْرِ يَوْمُ عَرَفَةَ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : أَقْسَمَ بِعَشْرِ الْأَضْحَى، لِيُفَضِّلَهُنَّ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ أَقْسَمَ بِهِمَا لِيُفَضِّلَهُمَا عَلَى سَائِرِ الْعَشْرِ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ، أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ، فَقَالَ: وَلَيَالٍ عَشْرٍ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلَّكٍ الْجَوْهَرِيُّ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ السَّعْدِيُّ ، نَا مُوسَى بْنُ بَحْرٍ ، نَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ: "الشَّفْعُ" الْخَلْقُ، وَالْوَتْرِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ. وَهَذَا قَوْلُ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ ، قَالَ: الشَّفْعُ الْخَلْقُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا وَالْوَتْرُ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ : خَلَقَ اللَّهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، وَاللَّهُ وَتْرٌ وَاحِدٌ . وَقَالَ قَتَادَةُ : وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ الصَّلَاةُ مِنْهَا شَفْعٌ وَمِنْهَا وَتْرٌ. وَهُوَ رِوَايَةُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْأُمَوِيُّ ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ ، نَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نَا هَمَّامٌ وَخَالِدُ بْنُ قَيْسٍ جَمِيعًا ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، فَقَالَ: "مِنَ الصَّلَاةِ شَفْعٌ وَمِنْهَا وَتْرٌ" . أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي ، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ ، نَا أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ الْقَيْسِيُّ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي ، نَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَوْفٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَلُونِي فَعَلَيْنَا كَانَ التَّنْزِيلُ، وَنَحْنُ حَضَرْنَا التَّأْوِيلَ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَخْبِرْنَا عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيَالِي الْعَشْرِ، فَقَالَ: أَمَّا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فَهُمَا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، وَأَمَّا اللَّيَالِي الْعَشْرُ فَالثَّمَانِي وَعَرَفَةُ وَالنَّحْرُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الشَّفْعُ الزَّوْجُ، وَالْوَتْرُ الْفَرْدُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الْكَسْرُ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ ، وَالْأَعْمَشِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْفَتْحُ قِرَاءَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهِيَ لُغَةٌ حِجَازِيَّةٌ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : كُلُّ فَرْدٍ وَتْرٌ. وَأَهْلُ الْحِجَازِ يَفْتَحُونَ فَيَقُولُونَ وَتْرٌ فِي الْفَرْدِ. وَقَوْلُهُ: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ أَيْ: إِذَا يَمْضِي فَيَذْهَبُ، كَمَا قَالَ: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِاللَّيْلِ، يَمْضِي حَتَّى يَنْقَضِيَ بِالنَّهَارِ الْمُقْبِلِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ لَيْلَةٍ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ ، وَالْكَلْبِيُّ : يَعْنِي لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ لَيْلَةَ جُمَعٍ. وَقُرِئَ "يَسْرِي" بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَحَذْفِهَا، فَمَنْ أَثْبَتَهَا فَلِأَنَّهَا لَامُ فِعْلٍ، وَالْفِعْلُ لَا يُحْذَفُ مِنْهُ فِي الْوَقْفِ نَحْوَ هُوَ يَقْضِي، وَأَنَا أَقْضِي. قَالَ الزَّجَّاجُ : وَالْحَذْفُ أَحَبُّ إِلَيَّ؛ لِأَنَّهَا فَاصِلَةٌ، وَالْفَوَاصِلُ يُحْذَفُ مِنْهَا الْيَاءَاتُ، وَتَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَسَرَاتُ. هَلْ فِي ذَلِكَ أَيْ: فِيمَا ذَكَرَ، قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ لِذِي عَقْلٍ وَلُبٍّ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ كَانَ ذَا عَقْلٍ وَلُبٍّ، عَلِمَ أَنَّ مَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِيهِ عَجَائِبُ وَدَلَائِلُ عَلَى صُنْعِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، فَهُوَ حَقِيقٌ بِأَنْ يُقْسَمَ بِهِ؛ لِدَلَالَتِهِ عَلَى خَالِقِهِ، وَجَوَابُ الْقَسَمِ قَوْلُهُ: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ وَاعْتَرَضَ بَيْنَ الْقَسَمِ وَجَوَابِهِ قَوْلُهُ: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ يُخَوِّفُ أَهْلَ مَكَّةَ يَعْنِي: كَيْفَ أَهْلَكَهُمْ، وَهُمْ كَانُوا أَطْوَلَ وَأَشَدَّ قُوَّةً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ . ثُمَّ قَالَ: إِرَمَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : هُوَ جَدُّ عَادٍ وَهُوَ عَادُ بْنُ عَوْصِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : هُمَا عَادَانِ، فَالْأُولَى هِيَ إِرَمُ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى . وَقَوْلُهُ: ذَاتُ الْعِمَادِ يَعْنِي: أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلُ عَمَدٍ سَيَّارَةٍ فِي الرَّبِيعِ، فَإِذَا هَاجَ النَّبْتُ رَجَعُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ ، وَالْكَلْبِيِّ ، وَقَوْلُ قَتَادَةَ ، وَمُجَاهِدٍ . وَقَالَ مُقَاتِلٌ : ذَاتُ الْعِمَادِ يَعْنِي: طُولُهُمُ اثْنَا عَشَرَ ذِرَاعًا، يُقَالُ: رَجُلٌ طَوِيلُ الْعِمَادِ أَيِ: الْقَامَةِ. ثُمَّ وَصَفَهُمْ، فَقَالَ: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ تِلْكَ الْقَبِيلَةِ فِي الطُّولِ وَالْقُوَّةِ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً . وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ ثَقَبُوهَا، وَقَطَعُوهَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانُوا يَجُوبُونَ الْجِبَالَ، فَيَجْعَلُونَ مِنْهَا بُيُوتًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا . وَقَوْلُهُ: بِالْوَادِ يَعْنِي: وَادِي الْقُرَى . وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ذَكَرْنَا تَفْسِيرَ الْأَوْتَادِ فِي سُورَةِ "ص".

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية