الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ الْمُحْكَمَاتُ: هِيَ الثَّلَاثُ آيَاتٍ فِي آخِرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ. وَهَذِهِ الْآيَاتُ مُحْكَمَاتٌ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ مِنَ التَّأْوِيلِ غَيْرَ وَجْهٍ وَاحِدٍ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْآيَةُ الْمُحْكَمَةُ: الَّتِي مَنَعَتْ كَثْرَةَ التَّأْوِيلَاتِ; لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ إِلَّا تَفْسِيرًا وَاحِدًا. هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ أَيْ: أَصْلُ الْكِتَابِ الَّذِي يُعْمَلُ عَلَيْهِ، وَالْآيَاتُ الثَّلَاثُ فِي الْأَنْعَامِ هُنَّ أُمُّ كُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ، فِيهِنَّ كُلُّ مَا أَحَلَّ وَفِيهِنَّ كُلُّ مَا حَرَّمَ. وَوَحَّدَ الْأُمَّ بَعْدَ قَوْلِهِ: هُنَّ لِأَنَّهُنَّ بِكَمَالِهِنَّ أُمٌّ، وَلَيْسَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أُمَّ الْكِتَابِ عَلَى انْفِرَادِهَا. وَقَوْلُهُ: وَأُخَرُ جَمْعُ أُخْرَى، مُتَشَابِهَاتٌ يُرِيدُ: الَّتِي تَشَابَهَتْ عَلَى الْيَهُودِ، وَهِيَ حُرُوفُ التَّهَجِّي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَوَّلُوهَا عَلَى حِسَابِ الْجُمَلِ، وَطَلَبُوا أَنْ يَسْتَخْرِجُوا مِنْهَا مُدَّةَ بَقَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَاخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ وَاشْتَبَهَ. وَالْمُتَشَابِهُ مِنَ الْقُرْآنِ: مَا احْتَمَلَ مِنَ التَّأْوِيلِ أَوْجُهًا، وَسُمِّيَ مُتَشَابِهًا لِأَنَّ لَفْظَهُ يُشْبِهُ لَفْظَ غَيْرِهِ، وَمَعْنَاهُ يُخَالِفُ مَعْنَاهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ ثِمَارِ الْجَنَّةِ: وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا أَيْ: مُتَّفِقَ الْمَنَاظِرِ مُخْتَلِفَ الطُّعُومِ. ثُمَّ يُقَالُ لِكُلِّ مَا غَمُضَ وَدَقَّ: مُتَشَابِهٌ. وَإِنْ لَمْ تَقَعِ الْحَيْرَةُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الشَّبَهِ بِغَيْرِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قِيلَ لِلْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ: مُتَشَابِهٌ. وَلَيْسَ الشَّكُّ فِيهَا لِمُشَاكَلَتِهَا غَيْرَهَا وَالْتِبَاسِهَا بِهِ. وَقَوْلُهُ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ أَيْ: مَيْلٌ عَنِ الْحَقِّ، وَهُمُ الْيَهُودُ، طَلَبُوا عِلْمَ أَجَلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاسْتِخْرَاجَهُ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ قَالَ مُجَاهِدٌ: طَلَبَ اللَّبْسِ لِيُضِلُّوا بِهِ جُهَّالَهُمْ. وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ التَّأْوِيلُ: التَّفْسِيرُ، وَمَعْنَاهُ: مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ الشَّيْءُ، أَيْ: يَرْجِعُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ: طَلَبَ مُدَّةِ أَجَلِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ يُرِيدُ: مَا يَعْلَمُ انْقِضَاءَ مُدَّةِ مُلْكِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا اللَّهُ; لِأَنَّ انْقِضَاءَ مُلْكِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَعَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. ثُمَّ ابْتَدَأَ وَقَالَ: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أَيِ: الثَّابِتُونَ فِيهِ، وَ "الرُّسُوخُ" فِي اللُّغَةِ: الثُّبُوتُ فِي الشَّيْءِ. وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ: الْمُرَادُ بِالرَّاسِخِينَ: عُلَمَاءُ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: بِقَوْلِهِمْ آمَنَّا بِهِ سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى رَاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، فَرُسُوخُهُمْ فِي الْعِلْمِ: قَوْلُهُمْ: آمَنَّا بِهِ أَيْ: بِالْمُتَشَابِهِ، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ وَمَا عَلِمْنَاهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْهُ. أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو بْنُ مَطَرٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْهِسِنْجَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ: فَوَجْهٌ حَلَّالٌ وَحَرَامٌ لَا يَسَعُ أَحَدًا جَهَالَتُهُمَا، وَوَجْهٌ عَرَبِيٌّ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ، وَوَجْهُ تَأْوِيلٍ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَوَجْهُ تَأْوِيلٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ فَمَنِ انْتَحَلَ فِيهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَبَ وَقَوْلُهُ: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ أَيْ: مَا يَتَّعِظُ بِالْقُرْآنِ إِلَّا ذَوُو الْعُقُولِ. قَوْلُهُ: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا أَيْ: وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا . لَا تُمِلْهَا عَنِ الْهَوَى وَالْقَصْدِ كَمَا أَزَغْتَ قُلُوبَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا لِلْإِيمَانِ بِالْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ مِنْ كِتَابِكَ. وَرَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ" . ثُمَّ قَرَأَ: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ . قَوْلُهُ: رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَجْمَعُهُمُ اللَّهُ لِلْجَزَاءِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهَذَا إِقْرَارٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْبَعْثِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ يَعْنِي: مِيعَادَ الْجَمْعِ وَالْبَعْثِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية