الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : هَذَا خَاصٌّ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ ، يَعْنِي : مَنْ آمَنَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ ، وَهَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَاخْتِيَارُ الْفَرَّاءِ ، وَابْنِ قُتَيْبَةَ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا مَا . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى ، نَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، نَا أَبُو وَهْبٍ الشَّامِيُّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْقَافْلَانِيِّ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : هِيَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي : إِلَّا لِيَخْضَعُوا لِي ، وَيَتَذَلَّلُوا . وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ فِي اللُّغَةِ : الذُّلُّ وَالِانْقِيَادُ ، وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ خَاضِعٌ لِقَضَاءِ اللَّهِ ، مُتَذَلِّلٌ لِمَشِيئَتِهِ ، خَلَقَهُ عَلَى مَا أَرَادَ ، وَرَزَقَهُ كَمَا قَضَى ، لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِنَفْسِهِ خُرُوجًا عَمَّا خُلِقَ عَلَيْهِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَرْزُقُوا أَحَدًا مِنْ خَلْقِي ، وَلَا أَنْ يَرْزُقُوا أَنْفُسَهُمْ ، وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ أَنْ يُطْعِمُوا أَحَدًا ، فَقَدْ أَطْعَمَهُ ، وَهَذَا كَمَا يُرْوَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ، يَقُولُ : عَبْدِي اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي ، أَيْ : لَمْ تُطْعِمْ عَبْدِي . وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِطْعَامَ ، وَسُؤَالَ الرِّزْقِ يَسْتَحِيلُ فِي وَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمَعْنَى الْآيَةِ : أَنَّهُ مَا أَوْجَبَ عَلَى عِبَادِهِ ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْقِيَامَ بِرِزْقِ الْخَلْقِ وَالْإِطْعَامِ . ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الرَّزَّاقَ هُوَ لَا غَيْرُهُ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ يَعْنِي : خَلَقَهُ ، ذُو الْقُوَّةِ عَلَى مَا خَلَقَ ، الْمَتِينُ الْقَوِيُّ ، مَتَنَ مَتَانَةً إِذَا قَوِيَ . ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ مِنَ الْعَذَابِ ، مِثْلَ مَا لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْكَافِرَةِ ، فَقَالَ : فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ نَصِيبًا مِنَ الْعَذَابِ ، نَصِيبَ أَصْحَابِهِمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا ، نَحْوَ قَوْمِ نُوحٍ ، وَعَادٍ ، وَثَمُودَ ، وَمَعْنَى الذَّنُوبِ فِي اللُّغَةِ : الدَّلْوُ الْعَظِيمَةُ ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : كَانُوا يَسْتَقُونَ ، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ذَنُوبٌ ، فَجَعَلَ الذَّنُوبَ مَكَانَ الْحَظِّ وَالنَّصِيبِ . فَلَا يَسْتَعْجِلُونَ بِالْعَذَابِ ، يَعْنِي : أَنَّهُمْ أُخِّرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يَعْنِي : يَوْمَ الْقِيَامَةِ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية