الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْكَبَائِرِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ : كَبِيرَ الْإِثْمِ عَلَى الْوَاحِدِ وَهُوَ يُرِيدُ الْجَمْعَ ، كَقَوْلِهِ : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ ، أَوْ يُرِيدُ بِكَبِيرِ الْإِثْمِ : الشِّرْكَ ، عَلَى مَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : يُرِيدُ : الشِّرْكَ . وَقَوْلُهُ : وَالْفَوَاحِشَ يَعْنِي : الزِّنَا وَأَنْوَاعَهُ ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ : يَعْنِي : مَا تُقَامُ فِيهِ الْحُدُودُ فِي الدُّنْيَا . وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ أَيْ : يَكْظِمُونَ الْغَيْظَ ، وَيُعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ ، يَطْلُبُونَ بِذَلِكَ ثَوَابَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَعَفْوَهُ . وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ أَجَابُوهُ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ ، مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَعِبَادَتِهِ ، وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ هِيَ فُعْلَى مَنِ الْمُشَاوَرَةِ ، وَهِيَ الْأَمْرُ الَّذِي يُتَشَاوَرُ فِيهِ ، يُقَالُ : صَارَ هَذَا الْأَمْرُ شُورَى بَيْنَ الْقَوْمِ ، إِذَا تَشَاوَرُوا فِيهِ ، وَالْمَعْنَى : أَنَّهُمْ يَتَشَاوَرُونَ فِيمَا يَبْدُو لَهُمْ ، وَلَا يَعْجَلُونَ فِي الْأَمْرِ ، قَالَ الْحَسَنُ : وَاللَّهِ مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ ، إِلَّا هَدَاهُمُ اللَّهُ لِأَفْضَلِ مَا بِحَضْرَتِهِمْ . أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَقِيهُ ، أَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ ، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ ، نَا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ ، عَنْ سَعِيدٍ الْجَرِيرِيِّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارُكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءُكُمْ وَأَمْرُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا ، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا " . قَوْلُهُ : وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ الظُّلْمُ وَالْعُدْوَانُ ، هُمْ يَنْتَصِرُونَ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ ، قَالَ عَطَاءٌ : يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمُ الْكُفَّارُ مِنْ مَكَّةَ ، وَبَغَوْا عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ مَكَّنَهُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ ، حَتَّى انْتَصَرُوا مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : جَعَلَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ : صِنْفٌ يَعْفُونَ عَنْ ظَالِمِهِمْ ، فَبَدَأَ بِذِكْرِهِمْ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ : وَصِنْفٌ يَنْتَصِرُونَ مِنْ ظَالِمِهِمْ ، وَهُمُ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ . وَمَنِ انْتَصَرَ فَأَخَذَ بِحَقِّهِ ، وَلَمْ يُجَاوِزْ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ، فَهُوَ مُطِيعٌ لِلَّهِ ، وَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فَهُوَ مَحْمُودٌ . ثُمَّ ذَكَرَ حَدَّ الِانْتِصَارِ ، فَقَالَ : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا قَالَ مُقَاتِلٌ : يَعْنِي الْقِصَاصَ فِي الْجِرَاحَاتِ وَالدِّمَاءِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالسُّدِّيُّ : هُوَ جَوَابُ الْقَبِيحِ إِذَا قَالَ : أَخْزَاكَ اللَّهُ ، يَقُولُ : أَخْزَاكَ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَدِيَ . ثُمَّ ذَكَرَ الْعَفْوَ ، فَقَالَ : فَمَنْ عَفَا أَيْ : عَمَّنْ ظَلَمَهُ ، وَأَصْلَحَ بِالْعَفْوِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ظَالِمِهِ ، فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ضَمِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ أَجْرَهُ بِالْعَفْوِ ، وَقَالَ الْحَسَنُ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، قَامَ مُنَادٍ ، فَنَادَى : مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَجْرٌ فَلْيَقُمْ ، فَلَا يَقُومُ إِلَّا مَنْ عَفَا ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . قَالَ مُقَاتِلٌ : يَعْنِي مَنْ يَبْدَأُ بِالظُّلْمِ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُنْتَصِرَ ، فَقَالَ : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ بَعْدَ ظُلْمِ الظَّالِمِ إِيَّاهُ ، وَالْمَصْدَرُ هَاهُنَا مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ ، كَقَوْلِهِ : مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ ، وَبِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ ، فَأُولَئِكَ يَعْنِي : الْمُنْتَصِرِينَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ بِعُقُوبَةٍ وَمُؤَاخَذَةٍ . إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُرِيدُ : يَبْدَأُونَ بِالظُّلْمِ . وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَعْمَلُونَ فِيهَا بِالْمَعَاصِي . وَلِمَنْ صَبَرَ فَلَمْ يَنْتَصِرْ ، وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ وَالتَّجَاوُزَ ، لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ قَالَ مُقَاتِلٌ : "مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا . وَقَالَ الزَّجَّاجُ : الصَّابِرُ يُؤْتَى بِصَبْرِهِ ثَوَابًا ، فَالرَّغْبَةُ فِي الثَّوَابِ أَتَمُّ عَزْمٍ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية