الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                                                        غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر

                                                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                        الأشباه والنظائر وَأَمَّا الطَّلَاقُ ، فَصَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ . فَالْأَوَّلُ لَا يَحْتَاجُ فِي وُقُوعِهِ إلَيْهَا ; فَلَوْ طَلَّقَ 109 - غَافِلًا أَوْ سَاهِيًا أَوْ مُخْطِئًا وَقَعَ ، 111 - حَتَّى قَالُوا . إنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِالْأَلْفَاظِ الْمُصَحَّفَةِ قَضَاءً ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَهَا بِاللَّفْظِ . قَالُوا لَوْ كَرَّرَ مَسَائِلَ الطَّلَاقِ بِحَضْرَتِهَا وَيَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ : أَنْتِ طَالِقٌ ، لَمْ يَقَعْ وَلَوْ كَتَبْت امْرَأَتِي طَالِقٌ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَقَالَتْ لَهُ اقْرَأْ عَلَيَّ فَقَرَأَ عَلَيْهَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا 112 - لِعَدَمِ قَصْدِهَا بِاللَّفْظِ . 113 - وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ : إنَّ الصَّرِيحَ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ . غمز عيون البصائر قَوْلُهُ : فَالْأَوَّلُ لَا يَحْتَاجُ فِي وُقُوعِهِ عَلَيْهَا إلَيْهَا . قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي الْبَحْرِ : وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُمْ الصَّرِيحُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَضَاءِ . أَمَّا فِي الدِّيَانَةِ فَيَحْتَاجُ لَكِنَّ وُقُوعَهُ فِي الْقَضَاءِ بِلَا نِيَّةٍ إنَّمَا هُوَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَقْصِدَهَا بِالْخِطَابِ ، بِدَلِيلِ مَا قَالُوا : لَوْ كَرَّرَ مَسَائِلَ الطَّلَاقِ بِحَضْرَةِ زَوْجَتِهِ وَيَقُول أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَنْوِ ، لَا تَطْلُقُ . وَفِي مُتَعَلِّمٍ يَكْتُبُ نَاقِلًا كِتَابَ رَجُلٍ . قَالَ : ثُمَّ يَقِفُ وَيَكْتُبُ امْرَأَتِي طَالِقٌ . وَكَمَا كَتَبَ قَرَنَ الْكِتَابَةَ بِالتَّلَفُّظِ بِقَصْدِ الْحِكَايَةِ ، لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ . وَفِي الْقُنْيَةِ امْرَأَةٌ كَتَبَتْ : أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَتْ لِزَوْجِهَا اقْرَأْ عَلَيَّ هَذَا ، فَقَرَأَ لَا تَطْلُقُ . وَمَا فِي الْفَتْحِ الْقَدِيرِ : وَلَا بُدَّ مِنْ الْقَصْدِ بِالْخِطَابِ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ عَالَمًا بِمَعْنَاهُ أَوْ النِّيَّةِ كَمَا يُفِيدُهُ فُرُوعٌ . وَذَكَرَ مَا ذَكَرْنَا فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ . لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالْوُقُوعِ قَضَاءً فِيمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ ، وَإِنْ كَانَ شَرْطًا لِلْوُقُوعِ دِيَانَةً لَا قَضَاءً فَكَذَلِكَ ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْوُقُوعَ قَضَاءً فِيمَا لَوْ كَرَّرَ مَسَائِلَ الطَّلَاقِ بِحَضْرَتِهَا . وَفِي الْمُتَعَلِّمِ : فَالْحَقُّ مَا اقْتَصَرْنَا عَلَيْهِ ( انْتَهَى كَلَامُهُ ) . قِيلَ وَهَذَا وَهْمٌ ظَاهِرٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ شَرْطُ الْوُقُوعِ قَضَاءً وَدِيَانَةً فَخَرَجَ مَا لَا يَقَعُ فِيهِ لَا قَضَاءً وَلَا دِيَانَةً . كَمَنْ كَرَّرَ مَسَائِلَ الطَّلَاقِ وَمَا يَقَعُ فِيهِ قَضَاءً فَقَطْ كَمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِالطَّلَاقِ . وَبِهِ عُرِفَ أَنَّهُ لَا يَرِدُ عَلَى مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ فِيهِ دِيَانَةً كَمَا أَفْصَحَ بِهِ ابْنُ الْهُمَامِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ ، حَيْثُ قَالَ : وَهُوَ يُشِيرُ إلَيْهِ ، أَيْ إلَى الْوُقُوعِ قَضَاءً فَقَطْ . أَقُول : فِي الْخُلَاصَةِ بَعْدَ ذِكْرِ مَا لَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِالطَّلَاقِ وَلَوْ كَانَ بِالْعَتَاقِ يَدِينُ ( انْتَهَى ) . يَعْنِي لَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَبِهَذَا يَبْطُلُ قَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ : أَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْقَضَاءِ بِشَرْطِ أَنْ يَقْصِدَ خِطَابَهَا الظُّهُورُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ اسْقِنِي فَسَبَقَ لِسَانُهُ بِالْخِطَابِ لَمْ يَقْصِدْهُ خِطَابَهَا . ( 109 ) قَوْلُهُ : غَافِلًا أَوْ سَاهِيًا . الْغَفْلَةُ سَهْوٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ قِلَّةِ التَّحَفُّظِ وَالتَّيَقُّظِ كَمَا فِي عُمْدَةِ الْحُفَّاظِ فِي تَفْسِيرِ أَشْرَفِ الْأَلْفَاظِ ، لِلْعَلَّامَةِ الشِّهَابِ السَّمِينِ ; وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ السَّهْوَ مُرَادِفٌ لِلْغَفْلَةِ وَحِينَئِذٍ يُشْكِلُ عَطْفُهُ بِأَوْ . وَفِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ أَنَّ النِّسْيَانَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ التَّرْكِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : النِّسْيَانُ تَرْكُ الْإِنْسَانِ ضَبْطَ مَا اسْتَوْدَعَ عَلَى حِفْظِهِ إمَّا لِضَعْفِ قَلْبِهِ وَإِمَّا عَنْ غَفْلَةٍ وَإِمَّا عَنْ قَصْدٍ ، حَتَّى يَنْحَذِفَ عَنْ قَلْبِهِ ذِكْرُهُ ( انْتَهَى ) . وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ النِّسْيَانَ غَيْرُ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ . قَوْلُهُ : أَوْ مُخْطِئًا . وَقَعَ شَرْحُ الْبُخَارِيِّ لِلْعَيْنِ : إنَّمَا يَصِحُّ طَلَاقُ الْمُخْطِئِ لِأَنَّ الْقَصْدَ أَمْرٌ بَاطِنِيٌّ ، لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ، بَلْ يَتَعَلَّقُ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ الدَّالِ ، وَهُوَ أَهْلِيَّةُ الْقَصْدِ بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ فَإِنْ قِيلَ : عَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ طَلَاقُ النَّائِمِ . وَالْجَوَابُ : أَنَّ النَّوْمَ يُنَافِي أَصْلَ الْعَمَلِ بِالْعَقْلِ لِأَنَّ النَّوْمَ مَانِعٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ نُورِ الْعَقْلِ فَكَانَتْ أَهْلِيَّةُ الْقَصْدِ مَعْدُومَةً بِيَقِينٍ ، فَافْهَمْ . ( 111 ) قَوْلُهُ : حَتَّى قَالُوا إنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِالْأَلْفَاظِ الْمُصَحَّفَةِ قَضَاءً . الْأَلْفَاظُ الْمُصَحَّفَةُ خَمْسٌ : تَلَاقٌ وَتَلَاغٌ وَطَلَاغٌ وَتَلَاكٌ وَطَلَاكٌ فَيَقَعُ قَضَاءً ، وَلَا يَصْدُقُ إلَّا إذَا أُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ التَّكَلُّمِ ، بِأَنْ قَالَ : امْرَأَتِي قَبِلَتْ مِنِّي الطَّلَاقَ وَأَنَا لَا أُطَلِّقُ فَأَقُولُ هَذَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى . كَذَا فِي الْبَحْرِ . وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ يَشْتَمِلُ مَا إنْ لَمْ يَكُنْ أَلْثَغَ وَفِي الْمُحِيطِ مِنْ بَابِ الْحِيَلِ وَالتَّعْرِيضِ فِي الْخَلْفِ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : طَارِقٌ . وَأَدْغَمَ الرَّاءَ وَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا يَفْهَمَ ذَلِكَ مَنْ يَسْمَعُ خَلْفَهُ ، لَا يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ شَيْءٌ فَلَا تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ لِأَنَّ طَارِقًا لَيْسَ بِطَالِقٍ ( انْتَهَى ) . وَفِيهِ تَأَمَّلْ . ( 112 ) قَوْلُهُ : لِعَدَمِ قَصْدِهَا قِيلَ صَوَابُهُ . قَصْدِهِ لِأَنَّ قَصْدَهَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ( انْتَهَى ) . أَقُولُ : فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ قَوْلَهُ قَصْدِهَا مَصْدَرٌ مُضَافٌ إلَى الْمَفْعُولِ لَا الْفَاعِلِ كَمَا فَهِمَ الْمُصَنِّفُ . ( 113 ) قَوْلُهُ : وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ أَنَّ الصَّرِيحَ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ قِيلَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الطَّلَاقِ فِي الصَّرِيحِ مَعَ ظُهُورِ الْمُرَادِ بِهِ ، حَتَّى يَخْرُجَ مَا لَوْ كَانَ يُكَرِّرُ مَسَائِلَ الطَّلَاقِ بِحَضْرَتِهَا كَمَا مَرَّ

                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                        الخدمات العلمية