الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ إِنَّمَا سَمَّوُا الزِّيَادَةَ فِيهِ ، لِأَنَّهُ أَتَى بِمَعْرِفَةٍ ، وَالْمَعْرِفَةُ هِيَ الْإِيمَانُ . قِيلَ لَهُمْ : قَدْ غَلَطْتُمْ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَمَّا أَحَدُهُمَا : فَإِنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ الزَّائِدَةَ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُفْتَرَضَةً ، أَوْ غَيْرِ مُفْتَرَضَةٍ ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُفْتَرَضَةٍ ، فَهِيَ مَعْلُومَةٌ ، وَذَلِكَ عِنْدَكُمْ مَا لَا يَزِيدُ ، وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ مُفْتَرَضَةً ، فَقَدْ ثَبَتُّمْ إِيمَانًا بِالْإِبَاحَةِ ، وَهَلْ أَبَاحَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ تَرْكَ الْإِيمَانِ مِنْ جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ ؟ وَلَوْ كَانَ مُبَاحًا لَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ ضِدَّهُ ، وَكَانَ كُفْرٌ مُبَاحٌ . * قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَيُقَالُ لَهُمْ : أَخْبِرُونَا هَلْ يُوصَلُ إِلَى هَيْبَةِ شَيْءٍ ، وَتَعْظِيمِهِ ، وَخَوْفِهِ ، وَرَجَائِهِ ، وَحُبِّهِ إِلَّا بِخَصْلَتَيْنِ : إِمَّا بِمُعَايَنَةٍ ، وَإِمَّا بِإِيمَانٍ لَهُ بِخَبَرٍ صَادِقٍ ، أَوْ دَلِيلٍ يَلْزَمُ ؟ فَإِنْ قَالُوا : لَا يُوصَلُ إِلَى ذَلِكَ ، وَلَا يُنَالُ إِلَّا بِمَا ذَكَرْتَ . قُلْنَا لَهُمْ : فَقَدْ سَقَطَتِ الْمُعَايَنَةُ عَنِ الْعِبَادِ ، فَلَمْ يُعَايِنْ أَحَدٌ مِنْهُمُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَلَمْ يَرَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ إِلَّا مَا خَصَّ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا سَقَطَتِ الْمُعَايَنَةُ لَمْ يَكُنْ لِلْعِبَادِ وَسِيلَةٌ يَنَالُوا بِهَا الْخَوْفَ ، وَالرَّجَاءَ ، وَالتَّعْظِيمَ ، وَالْإِجْلَالَ إِلَّا الْإِيمَانَ ، فَلَمْ يُفَاوِتِ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَآخِرِهَا فِي الطَّاعَاتِ مِنَ الْخَوْفِ ، وَالرَّجَاءِ ، وَالْهَيْبَةِ ، وَالْحُبِّ ، وَالْيَقِينِ ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ ، إِذْ زَالَ الْعِيَانُ ، وَلَا وَسِيلَةَ لَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَخْلَاقِ ، وَلَا أَصْلَ لَهَا يَنْبَعِثُ مِنْهُ ، وَيَهِيجُ مِنْهُ إِلَّا الْإِيمَانُ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْنًى ثَالِثٍ ، لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُنَالُ خَوْفٌ ، وَلَا رَجَاءٌ ، وَلَا حُبٌّ ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ إِلَّا بِمُعَايَنَةٍ ، أَوْ إِيمَانٍ ، فَلَمْ يُفَاوِتُوا فِي هَذِهِ الْأَخْلَاقِ ، فَرَأَيْنَا بَعْضَهُمْ خَائِفًا مِنَ اللَّهِ ، مَرْعُوبًا ، مُجِلًّا لَهُ ، مُشْفِقًا ، رَاجِيًا لَهُ ، رَاغِبًا فِيمَا عِنْدَهُ ، قَدْ أَزْعَجَهُ خَوْفُهُ عَنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ ، وَحَمَلَهُ رَجَاؤُهُ ، وَرَغْبَتُهُ عَلَى الْقِيَامِ بِحَقِّ اللَّهِ . وَرَأَيْنَا آخَرِينَ مُقِرِّينَ لِلَّهِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ ، لَا يُزَايِلُهُمُ الْإِقْرَارُ ، وَالتَّصْدِيقُ ، وَهُمْ فِي عَامَّةِ أُمُورِهِمْ آمِنُونَ ، لَا يَخَافُونَ اللَّهَ عِنْدَ مَعْصِيَةٍ يَرْكَبُونَهَا ، وَلَا يَبْذِلُونَ لِلَّهِ الْحَقَّ فِيمَا يَرْجُونَ ثَوَابَهُ ، فَوَجَدْنَاهُمْ أَقَلَّ خَوْفًا ، وَرَجَاءً ، وَإِجْلَالًا لِلَّهِ ، وَهَيْبَةً مِنَ الْآخَرِينَ . وَكُلٌّ قَدْ يُفَارِقُهُمُ الْإِقْرَارُ ، وَالتَّصْدِيقُ ، فَلَمَّا وَجَدْنَاهُمْ كَذَلِكَ ، عَلِمْنَا أَنَّهُمْ جَمِيعًا قَدِ اسْتَحَقُّوا اسْمَ الْإِسْلَامِ ، وَالْإِيمَانِ ، زَايَلُوا بِهِ الْجَحْدَ ، وَالتَّكْذِيبَ ، وَأَنَّهُمْ قَدْ تَفَاضَلُوا بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الِاسْمِ فِي كَثْرَةِ الْإِيمَانِ ، وَقِلَّتِهِ ، وَعَظِيمِ قَدْرِهِ فِي الْقُلُوبِ مِنْ تَعْظِيمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالتَّصْدِيقِ بِهِ الَّذِي آمَنُوا بِهِ ، إِذْ لَا تَبْلُغُ لَهُ غَايَةَ مَعْرِفَةٍ ، فَيُسَاوِيهِ بِالْعِلْمِ بِنَفْسِهِ جَلَّ عَنْ ذَلِكَ وَتَعَالَى . فَدَلَّ تَبَايُنُهُمْ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَتَبَايَنُوا الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاحِدًا ، إِذْ كَانُوا لَا يَنَالُونَ مَا تَبَايَنُوا فِيهِ إِلَّا بِالْإِيمَانِ ، إِذْ سَقَطَتِ الْمُعَايَنَةُ ، فَبَعْضُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ فِي الْإِيمَانِ ، أَنَّهُمْ لَمْ يَتَبَايَنُوا فِي الْإِقْرَارِ بِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِنْدَهُمْ حَقٌّ ، لَا بَاطِلٌ ، إِلَّا بِالْإِيمَانِ ، وَمَا قَالَ صِدْقٌ ، لَا كَذِبٌ ، وَبِمَا وَعَدَ ، وَتَوَعَّدَ مِنْ عِقَابِهِ ، وَثَوَابِهِ ، فَاسْتَوَوْا فِي الْإِقْرَارِ بِأَنَّ اللَّهَ حَقٌّ ، وَمَا قَالَ ، وَمَا تَوَاعَدَ ، وَوَعَدَ ، وَلَوْ دَخَلَ بَعْضُهُمُ الرَّيْبَ فِي ذَلِكَ لَكَفَرَ ، وَالتَّفَاضُلُ لَا يَقَعُ بَيْنَ اثْنَيْنِ حَتَّى يَكُونَ فِي الْمَفْضُولِ مِنْهُمَا مَعْنًى يُسَاوِي بِهِ التَّفَاضُلَ ، يَسْتَحِقُّ بِهِ مَعَ الِاسْمِ ، ثُمَّ يَفْضُلُ بِهِ بِأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ أَفْضَلَ مِمَّا عِنْدَ الْآخَرِ ، فَيُدْرِكُ بِفَضْلِهِ ، لِأَنَّهُ لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ : فُلَانٌ صَحِيحٌ ، أَقْوَى بَصَرًا مِنْ فُلَانٍ الْأَعْمَى ، وَلَا فُلَانٌ السَّمِيعُ أَقْوَى سَمْعًا مِنْ فُلَانٍ الْأَصَمِّ ، فَكَذَلِكَ لَا يُقَالُ : فُلَانٌ الْمُؤْمِنُ أَقْوَى إِيمَانًا مِنْ فُلَانٍ الْكَافِرِ ، هَذَا سَاقِطٌ فِي التَّفَاضُلِ ، لَا يَقُولُهُ ذُو لُغَةٍ ، وَلَا مَعْقُولٍ ، فَإِذَا كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الِاسْمَ الَّذِي يُزَايِلُ بِهِ الْعَمَى الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْبَصَرِ ، وَلَوْ كَانَ أَقَلَّ قَلِيلِهِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِهِ اسْمَ الْبَصَرِ ، فَيُزَايِلُ بِهِ اسْمَ الْعَمَى ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، جَازَ أَنْ يُقَالَ : فُلَانٌ الْبَصِيرُ أَقْوَى بَصَرًا مِنْ فُلَانٍ ، إِذْ لِلْمَفْضُولِ مِنَ الْبَصَرِ مَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الْبَصَرِ ، وَكَذَلِكَ الْقُوَّةُ ، وَالسَّمْعُ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى اسْتِبَانَةِ الْأَشْيَاءِ ، وَإِبْصَارِهَا إِلَّا بِبَصَرٍ ، وَلَا حَمْلِ الْأَشْيَاءِ إِلَّا بِقُوَّةٍ ، وَلَا إِدْرَاكَ الْأَصْوَاتِ ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَهَا إِلَّا بِسَمَاعٍ . وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ بَصِيرَيْنِ : نَظَرَ أَحَدُهُمَا اسْتَبَانَ شَيْئًا عَلَى قَدْرِ مِيلٍ ، وَأَبْصَرَهُ بَيِّنًا ، وَلَا يَتَبَيَّنُ مَا فَوْقَ ذَلِكَ ، وَنَظَرَ الْآخَرُ إِلَيْهِ عَلَى رَأْسِ مِيلَيْنِ ، فَأَبْصَرَهُ ، وَتَبَيَّنَهُ ، وَأَبْصَرَ النَّظَرَ إِلَيْهِ ، فَلَمْ يَرَهُ ، لَشَهِدَتِ الْعُقُولُ اضْطِرَارًا عَلَى أَنَّ الْمُتَبَيِّنَ لِلشَّيْءِ عَلَى رَأْسِ مِيلَيْنِ أَقْوَى بَصَرًا مِنَ الَّذِي لَمْ يَسْتَبِنْ لَهُ الشَّيْءُ إِلَّا عَلَى رَأْسِ مِيلٍ . وَذَلِكَ مِثْلُ رَجُلٍ تَوَلَّى عَنْهُمَا ، فَجَعَلَا يَسْتَبِينَانِهِ جَمِيعًا حَتَّى بَلَغَ رَأْسَ الْمِيلِ ، ثُمَّ خَفِيَ عَلَى أَحَدِهِمَا ، فَلَمْ يَرَهُ ، وَجَعَلَ الْآخَرُ يَتَبَيَّنُهُ حَتَّى رَآهُ عَلَى رَأْسِ مِيلَيْنِ ، لَشَهِدَتِ الْعُقُولُ أَنَّ هَذَا أَقْوَاهُمَا بَصَرًا ، إِذْ لَا سَبِيلَ لَهُمَا إِلَى الِاسْتِبَانَةِ إِلَّا بِبَصَرٍ . وَكَذَلِكَ لَوْ حَمَلَ أَحَدُهُمَا مِئَةَ رَطْلٍ ، فَزِيدَ عَلَيْهِ عَشَرَةٌ ، فَأَلْقَاهَا ، وَلَمْ يُطِقْهَا ، وَزِيدَ عَلَى الْآخَرِ خَمْسُونَ أُخْرَى ، لَشَهِدَتِ الْعُقُولُ بِأَنَّ هَذَا أَشَدُّهُمَا قُوَّةً ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ هَذَا مِنَ الْقُوَّةِ مَا زَايَلَ بِهِ الزَّمَانَةَ . وَكَذَلِكَ السَّمْعُ ، فَلَمَّا كَانَتِ الْأَبْصَارُ لَا يُنَالُ بِهَا اسْتِبَانَةُ الْأَشْيَاءِ إِلَّا بِقَدْرِ قُوَاهَا ، وَلَا الْقَوِيُّ يَنَالُ بِهَذَا الْحِمْلِ إِلَّا بِقَدْرِ الْقُوَى . وَكَذَلِكَ إِدْرَاكُ الْأَصْوَاتِ لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِقَدْرِ قُوَى الْأَسْمَاعِ ، فَلَمَّا تَفَاوَتُوا فِي ذَلِكَ ، شَهِدَتِ الْقُلُوبُ بِاضْطِرَارِ أَنَّهُمْ لَيْسُوا فِيهَا مُسْتَوِينَ ، وَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِهَا لَا يَتَفَاوَتُونَ . فَكَذَلِكَ شَهِدَتِ الْعُقُولُ إِذَا تَدَبَّرَتِ الْإِيمَانَ ، وَعَلِمَتْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَا يُنَالُ خَوْفٌ ، وَلَا رَجَاءٌ لِلَّهِ ، وَلَا إِجْلَالٌ ، وَلَا هَيْبَةٌ ، وَلَا مُسَارَعَةٌ إِلَى طَاعَةٍ إِلَّا بِالْإِيمَانِ ، إِذْ سَقَطَتِ الْمُعَايَنَةُ ، فَكَانَ مَا يُنَالُ بِهِ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ كُلِّهَا إِيمَانًا لَا غَيْرَهُ . فَإِذَا تَدَبَّرَتِ الْعُقُولُ ذَلِكَ ، شَهِدَتْ أَنَّهُمْ لَوْلَا أَنَّ الْخَائِفِينَ ، وَالْمُطِيعِينَ لِلَّهِ ، فَضُلُوا الْعَاصِينَ الَّذِينَ قَلَّ خَوْفُهُمْ مِنْهُ ، وَتَعْظِيمُهُمْ لَهُ فِي الْإِيمَانِ ، لَمَا تَفَاوَتُوا فِي هَذِهِ الْأَخْلَاقِ . فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّهُمْ فِيهِ مُتَفَاوِتُونَ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا كَانُوا فِي الْخَوْفِ ، وَالرَّجَاءِ ، وَالتَّعْظِيمِ ، وَالْإِجْلَالِ ، وَالْهَيْبَةِ مُخْتَلِفَيْنِ . فَلَوْ جَازَ أَنْ يَسْتَوُوا فِي الْإِيمَانِ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى هَذِهِ الْأَخْلَاقِ إِلَّا بِهِ ، وَمِنْهُ ، ثُمَّ يَتَفَاوَتُونَ فِي هَذِهِ الْأَخْلَاقِ ، لَجَازَ أَنْ يَسْتَوُوا فِي قُوَى الْأَبْصَارِ ، ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ فِي الِاسْتِبَانَةِ مِنَ الْقُرْبِ ، وَالْبُعْدِ ، وَيَسْتَوُوا فِي الْقُوَى ، وَيَخْتَلِفُوا فِي الْحَمْلِ ، وَالْكَثْرَةِ ، وَالْقِلَّةِ ، فَيَكُونَانِ جَمِيعًا فِي الْقُوَّةِ يَسْتَوِيَانِ ، وَيَخْتَلِفَانِ فِي الْحَمْلِ ، فَيَحْمِلُ أَحَدُهُمَا خَمْسَمِائَةِ رَطْلٍ ، وَالْآخَرُ لَا يُطِيقُ إِلَّا مِائَةً ، فَإِنِ اسْتَحَالَ ذَلِكَ ، فَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْإِيمَانِ مُسْتَحِيلٌ لَا فُرْقَانَ بَيْنَهُمَا . فَإِنْ قَالَ جَاهِلٌ - لَا يَعْرِفُ اللُّغَةَ ، وَلَا التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ بِالْمَعْقُولِ ، وَلَا كَيْفَ أُصُولُ الطَّاعَاتِ ، فَقَالَ - : إِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْأَخْلَاقِ بِالتَّوْفِيقِ ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَفَّقَ بَعْضَهُمْ ، وَلَمْ يُوَفِّقِ الْآخَرَ . قِيلَ لَهُمْ : لَيْسَ فِي الْقَدَرِ نَازَعْنَاكُمْ ، وَقَدْ أَجْمَعْنَا أَنَّهُ بِالتَّوْفِيقِ ، وَلَكِنْ كَيْفَ وَفَّقَ مَنْ كَثُرَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ ، وَقَوِيَ تَعْظِيمَهُ ، وَثِقَتَهُ ، وَتَوَكُّلَهُ بِأَنْ أَلْزَمَ قَلْبَهُ ذَلِكَ ، كَمَا أَلْزَمَهُ نَاظِرَ عَيْنِهِ ، لَمْ يَكُنْ عَنْ مَعْرِفَةٍ بِمَا خُوِّفَ بِهِ ، وَلَا عَنْ ذِكْرٍ لِلَّهِ ، وَلَا هُوَ مُخْتَارٌ لَهُ ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَلَيْسَ بِمُكْتَسِبٍ ، وَلَا عَامِلٍ إِلَّا وَفَّقَهُ بِأَنْ وَهَبَ لَهُ التَّذَكُّرَ ، وَالتَّفَكُّرَ ، فَعَقَلَ عَنْهُ مَا قَالَ ، فَعَظُمَتْ بِذَلِكَ مَعْرِفَتُهُ ، وَقَوِيَ بِهِ إِيمَانُهُ ، فَعَظُمَ خَوْفُهُ ، وَرَجَاؤُهُ . قَالُوا : جَائِزٌ أَنْ يَلْزَمَ ذَلِكَ قَلْبَهُ بِلَا تَذَكُّرٍ ، وَلَا عَنْ مَعْرِفَةٍ بِمَا خُوِّفَ بِهِ ، وَلَا اخْتِيَارٍ لَهُ ، كَالسَّحَرَةِ أَلْزَمَ قُلُوبَهُمُ الْخَوْفَ ، لَمْ يَتَقَدَّمْ ذَلِكَ طَلَبٌ مِنْهُمْ ، وَلَا مَعْرِفَةٌ ، وَلَا ذِكْرٌ ، وَلَا اخْتِيَارٌ . قِيلَ لَهُمْ : لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُونَ ، مَا كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ عَمَلًا ، وَلَا مُدِحُوا بِهِ ، كَمَا لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ جَمَالُ وُجُوهِهِمْ لَهُمْ عَمَلًا ، وَلَا صِحَّةُ أَجْسَامِهِمْ . فَإِنْ قَالُوا : كُلُّ حَسَنٍ يُلْزِمُهُ اللَّهُ الْعَبْدَ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ ، لَيْسَ مِنَ الطَّاعَاتِ ، فَلَيْسَ هُوَ لَهُ بِعَمَلٍ ، وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ ، وَكُلُّ مَا أُلْزِمَ مِنَ الطَّاعَةِ لِلَّهِ ، فَهُوَ لَهُ عَمَلٌ . قِيلَ لَهُمُ : الْعِلَّتَانِ وَاحِدَةٌ ، وَإِنَّمَا أَنْتُمْ تَدَّعُونَ ، وَلَمْ تَأْتُوا بِتَفْرِقَةٍ ، وَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ عَلَى خِلَافِ مَا قُلْتُمْ ، لِأَنَّ اللَّهَ وَصَفَ الْخَائِفِينَ بِالتَّذَكُّرِ ، وَالتَّفَكُّرِ ، وَأَخْرَجَ مِنْهُمْ مَنْ لَيْسَ بِمُتَذَكِّرٍ ، وَلَا مُتَفَكِّرٍ ، فَقَالَ : ( لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) . فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَنْ عَقَلَ ، وَلَمْ يَتَفَكَّرْ ، كَانَ اللَّهُ فِيمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آيَةً ، فَقَدْ عَارَضَ اللَّهَ ، وَمَا قَالَ بِرَدٍّ ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا عَنِ السَّحَرَةِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِ دَعْوَاكُمْ لِقَوْلِهِمْ : ( إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا ) ، فَلَا شَاهِدَ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَصْدَقَ مِنَ اللَّهِ ، يُخْبِرُكَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِقَصْدٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ ، وَاخْتِيَارٍ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ، أَرَادَ مِنْهُمْ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ ، ثُمَّ قَالُوا : ( إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا ) فَعَبَّرُوا عَنْ عَقْلِهِمْ عَنِ اللَّهِ الْوَعْدَ ، وَالْوَعِيدَ ، فَهَذَا الِاكْتِسَابُ ، وَمَا سِوَاهُ اضْطِرَارًا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية