الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

الإحكام في أصول الأحكام

الآمدي - علي بن محمد الآمدي

الْقِسْمُ الثَّانِي فِيمَا ظُنَّ أَنَّهُ دَلِيلٌ صَحِيحٌ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ النَّوْعُ الْأَوَّلُ - شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا ، وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ . الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى اخْتَلَفُوا فِي النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ بَعْثَتِهِ ، هَلْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ نَفَى ذَلِكَ كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهُ ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُثْبِتُونَ : فَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى شَرْعِ نُوحٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى شَرْعِ إِبْرَاهِيمَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى مُوسَى ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى عِيسَى . وَمِنَ الْأُصُولِيِّينَ مَنْ قَضَى بِالْجَوَازِ وَتَوَقَّفَ فِي الْوُقُوعِ كَالْغَزَالِيِّ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُحَقِّقِينَ ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ . أَمَّا الْجَوَازُ فَثَابِتٌ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ ، إِمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ لِذَاتِهِ أَوْ لِعَدَمِ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ ، أَوْ لِمَعْنًى آخَرَ . الْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ ، فَإِنَّا لَوْ فَرَضْنَا وُقُوعَهُ ؛ لَمْ يَلْزَمْ عَنْهُ لِذَاتِهِ فِي الْعَقْلِ مُحَالٌ . ذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ عَلَى إِثْبَاتِ الْإِمْكَانِ الْخَارِجِيِّ بِمُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ الذِّهْنِيِّ ، وَهُوَ غَيْرُ كَافٍ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْإِمْكَانَ الْخَارِجِيَّ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْعِلْمِ بِعَدَمِ الِامْتِنَاعِ وَالْإِمْكَانَ الذِّهْنِيَّ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ ، وَعَدَمُ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِعَدَمِ الِامْتِنَاعِ . . وَالثَّانِي فَمَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ فِي كُتُبِنَا الْكَلَامِيَّةِ ، تَقَدَّمَ مَا فِيهِ تَعْلِيقًا أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ . وَبِتَقْدِيرِ رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى فَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مَصْلَحَةَ الشَّخْصِ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ فِي تَكْلِيفِهِ بِشَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ . وَالثَّالِثُ : فَلَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِهِ ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُهُ . وَأَمَّا الْوُقُوعُ فَيَسْتَدْعِي دَلِيلًا ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ، وَمَا يُتَخَيَّلُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ - فَمَعَ عَدَمِ دَلَالَتِهَا فِي أَنْفُسِهَا - مُتَعَارِضَةٌ كَمَا يَأْتِي ، وَلَيْسَ التَّمَسُّكُ بِالْبَعْضِ مِنْهَا أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ . فَإِنْ قِيلَ : الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْبَعْثَةِ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ أَحَدٍ قَبْلَهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةٍ مِنَ الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ لَنُقِلَ عَنْهُ فِعْلُ مَا تَعَبَّدَ بِهِ وَاشْتُهِرَ تَلَبُّسُهُ بِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ وَمُخَالَطَةِ أَهْلِهَا ، كَمَا هُوَ الْجَارِي مِنْ عَادَةِ كُلِّ مُتَشَرِّعٍ بِشَرِيعَةٍ ، وَقَدْ عُرِفَتْ أَحْوَالُهُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . وَأَيْضًا ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِبَعْضِ الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ ، لَافْتَخَرَ أَهْلُ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ بَعْدَ بَعْثَتِهِ وَاشْتِهَارِهِ وَعُلُوِّ شَأْنِهِ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهِمْ وَإِلَى شَرْعِهِمْ ، وَلَمْ يُنْقَلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ - هَذِهِ الْجُمْلَةُ هِيَ الصُّغْرَى فِي كُلٍّ مِنَ الْأَدِلَّةِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . . سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَعَبُّدِهِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى تَعَبُّدِهِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَمْرَانِ : الْأَوَّلُ : أَنَّ كُلَّ مَنْ سَبَقَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ كَانَ دَاعِيًا إِلَى اتِّبَاعِ شَرْعِهِ كُلَّ الْمُكَلَّفِينَ ، وَكَانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ الْعُمُومِ . الثَّانِي : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانَ يُصَلِّي وَيَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ وَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيُعَظِّمُهُ وَيُذَكِّي وَيَأْكُلُ اللَّحْمَ وَيَرْكَبُ الْبَهَائِمَ وَيَسْتَسْخِرُهَا وَيَتَجَنَّبُ الْمَيْتَةَ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِمَّا لَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ الْعَقْلُ وَلَا يَحْسُنُ بِغَيْرِ الشَّرْعِ . وَالْجَوَابُ عَنِ الِاعْتِرَاضِ الْأَوَّلِ يَعْنِي الْجَوَابَ عَنْ دَلِيلِ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ الَّذِي سَاقَهُ فِي صُورَةِ اعْتِرَاضِ . أَنَّهُ مُقَابِلٌ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الشَّرَائِعِ وَلَا مُتَعَبِّدًا بِشَيْءٍ مِنْهَا ؛ لَظَهَرَ مِنْهُ التَّلَبُّسُ بِخِلَافِ مَا أَهْلُ تِلْكَ الشَّرَائِعِ مُتَلَبِّسُونَ بِهِ ، وَاشْتُهِرَتْ مُخَالَفَتُهُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَكَانَتِ الدَّوَاعِي مُتَوَفِّرَةً عَلَى نَقْلِهِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ . وَعَنِ الِاعْتِرَاضِ الْأَوَّلِ يَعْنِي : الْجَوَابَ عَنْ دَلِيلِ الْمَذْهَبِ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ فِي صُورَةِ اعْتِرَاضٍ ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا يَأْتِي بَعْدَهُ . لِلْمَذْهَبِ الثَّانِي بِمَنْعِ دَعْوَةِ مَنْ سَبَقَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لِكَافَّةِ الْمُكَلَّفِينَ إِلَى اتِّبَاعِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي ذَلِكَ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ لِيُحْكَمَ بِهِ . وَبِتَقْدِيرِ نَقْلِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ زَمَانُ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ زَمَانَ انْدِرَاسِ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَتَعَذُّرِ التَّكْلِيفِ بِهَا ؛ لِعَدَمِ نَقْلِهَا وَتَفْصِيلِهَا وَلِذَلِكَ بُعِثَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ . وَعَنِ الِاعْتِرَاضِ الثَّانِي ، أَنَّا لَا نُسَلِّمُ ثُبُوتَ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرُوهُ بِنَقْلٍ يُوثَقُ بِهِ ، وَبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِهِ شَرْعًا ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ وَحَجَّتُهُ وَعُمْرَتُهُ وَتَعْظِيمُهُ لِلْبَيْتِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّكِ بِفِعْلِ مِثْلِ مَا نُقِلَ جُمْلَتُهُ عَنْ أَفْعَالِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَانْدَرَسَ تَفْصِيلُهُ . وَأَمَّا أَكْلُ اللَّحْمِ وَذَبْحُ الْحَيَوَانِ وَاسْتِسْخَارُهُ لِلْبَهَائِمِ فَإِنَّمَا كَانَ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَحْرِيمَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ . وَأَمَّا تَرْكُهُ لِلْمَيْتَةِ بِنَاءً بِنَاءً . . . إِلَخْ - لَعَلَّهُ فَبِنَاءً . . إِلَخْ ، لِأَنَّهُ وَاقِعٌ فِي جَوَابِ أَمَّا . عَلَى عِيَافَةِ نَفْسِهِ لَهَا ، كَعِيَافَتِهِ لَحْمَ الضَّبِّ ، أَمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَبِّدًا بِذَلِكَ شَرْعًا ، فَلَا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية