الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          معلومات الكتاب

          الإحكام في أصول الأحكام

          الآمدي - علي بن محمد الآمدي

          النَّوْعُ الثَّانِي - التَّخْصِيصُ بِالشَّرْطِ وَالنَّظَرُ فِي حَدِّهِ وَأَقْسَامِهِ وَصِيَغِ الشَّرْطِ اللُّغَوِيِّ وَأَحْكَامِهِ أَمَّا حَدُّهُ ، قَالَ الْغَزَالِيُّ : هُوَ مَا لَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ دُونَهُ ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ عِنْدَ وُجُودِهِ ، وَهُوَ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ : أَنَّ فِيهِ تَعْرِيفَ الشَّرْطِ بِالْمَشْرُوطِ ، وَالْمَشْرُوطُ مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّرْطِ فَكَانَ أَخْفَى مِنَ الشَّرْطِ ، وَتَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِمَا هُوَ أَخْفَى مِنْهُ مُمْتَنِعٌ . الثَّانِي : أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ جُزْءُ السَّبَبِ إِذَا اتَّحَدَ ، فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ الْحُكْمُ دُونَهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِهِ ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ أَيْ أَنَّ التَّعْرِيفَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ حَيْثُ وُجِدَ التَّعْرِيفُ وَلَمْ يُوجَدِ الْمُعَرَّفُ . . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : الشَّرْطُ هُوَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ فِي تَأْثِيرِهِ لَا فِي ذَاتِهِ كَأَنَّ فِيهِ تَحْرِيفًا ، وَلَعَلَّ الصَّوَابَ : مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمُؤَثِّرُ فِي تَأْثِيرِهِ لَا فِي ذَاتِهِ ، وَفِي مَعْنَاهُ مَا قَالَ غَيْرُهُ مَا يَتَوَقَّفُ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ عَلَيْهِ . . وَهُوَ فَاسِدٌ أَيْضًا ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ الْقَدِيمَةَ شَرْطٌ فِي وُجُودِ عِلْمِ الْبَارِي - تَعَالَى - وَكَوْنِهِ عَالِمًا وَلَا تَأْثِيرَ وَلَا مُؤَثِّرَ . وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : الشَّرْطُ هُوَ مَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهِ نَفْيُ أَمْرٍ مَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُودِهِ وَلَا دَاخِلًا فِي السَّبَبِ . وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْحَدِّ شَرْطُ الْحُكْمِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَشَرْطُ السَّبَبِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ شَرْطِ السَّبَبِ انْتِفَاءُ السَّبَبِ ، وَلَيْسَ هُوَ سَبَبُ السَّبَبِ وَلَا جُزْءُهُ ، وَفِيهِ احْتِرَازٌ عَنِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ مَدَارِكِهِ ، وَعَنِ انْتِفَاءِ الْمُدْرَكِ الْمُعَيَّنِ وَجُزْئِهِ . وَهُوَ مُنْقَسِمٌ إِلَى شَرْطٍ عَقْلِيٍّ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ ، وَإِلَى شَرْعِيٍّ ، كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ ، وَالْإِحْصَانِ لِلرَّجْمِ . وَإِلَى لُغَوِيٍّ ، وَصِيَغُهُ كَثِيرَةٌ وَهِيَ : إِنِ الْخَفِيفَةُ وَإِذَا وَمَنْ وَمَا وَمَهْمَا وَحَيْثُمَا وَأَيْنَمَا وَإِذْمَا . وَأُمُّ هَذِهِ الصِّيَغِ ( إِنِ ) الشَّرْطِيَّةُ ؛ لِأَنَّهَا حَرْفٌ ، وَمَا عَدَاهَا مِنْ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ أَسْمَاءٌ . وَالْأَصْلُ فِي إِفَادَةِ الْمَعَانِي لِلْأَسْمَاءِ إِنَّمَا هُوَ الْحُرُوفُ وَالْأَصْلُ فِي إِفَادَةِ الْمَعَانِي لِلْأَسْمَاءِ إِنَّمَا هُوَ الْحُرُوفُ فِيهِ تَحْرِيفٌ ، وَالصَّوَابُ وَالْأَصْلُ فِي إِفَادَةِ الْمَعَانِي إِنَّمَا هُوَ الْحُرُوفُ لَا الْأَسْمَاءُ . وَلِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي جَمِيعِ صُوَرِ الشَّرْطِ بِخِلَافِ أَخَوَاتِهَا ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَخْتَصُّ بِمَعْنًى لَا تَجْرِي فِي غَيْرِهِ ، ( فَمَنْ ) لِمَنْ يَعْقِلُ ، وَ ( مَا ) لِمَا لَا يَعْقِلُ ، وَ ( إِذَا ) لِمَا لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ كَقَوْلِكَ : إِذَا احْمَرَّ الْبُسْرُ فَأْتِنَا وَنَحْوُ ذَلِكَ . وَأَمَّا أَحْكَامُهُ : فَمِنْهَا أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ فِيهِ ، وَذَلِكَ ضَرْبَانِ : الْأَوَّلُ : أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ مَا عَلِمْنَا خُرُوجَهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ كَقَوْلِهِ : أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ أَبَدًا إِنِ اسْتَطَعْتَ ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الْكَلَامِ حَالَةَ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا دُونَ قَوْلِهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ مُؤَكِّدًا . الثَّانِي : أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ مَا لَا يُعْلَمُ خُرُوجُهُ دُونَهُ كَقَوْلِهِ : أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِنْ دَخَلُوا الدَّارَ ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ حَالَةَ عَدَمِ دُخُولِ الدَّارِ ، وَلَوْلَا الشَّرْطُ لَعَمَّ الْإِكْرَامُ جَمِيعَ الْأَحْوَالِ فِيهِ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ لِلْعُمُومِ صِيَغًا وُضِعَتْ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لِإِفَادَتِهِ . ، وَلَمْ يَكُنِ الْعِلْمُ بِعَدَمِ الْإِكْرَامِ حَالَةَ عَدَمِ دُخُولِ الدَّارِ حَاصِلًا لَنَا ، فَكَانَ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ . وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ ، لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وَالْمَشْرُوطُ ، أَوْ يَتَعَدَّدَ الْمَشْرُوطُ أَوْ بِالْعَكْسِ ، أَوْ يَتَعَدَّدَانِ مَعًا أَوْ يَتَعَدَّدَانِ مَعًا فِيهِ تَحْرِيفٌ ، وَالصَّوَابُ : أَوْ يَتَعَدَّدَا مَعًا ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَنْصُوبِ بِأَنْ . ، فَإِنِ اتَّحَدَ الشَّرْطُ وَالْمَشْرُوطُ فَمِثَالُهُ مَا سَبَقَ . وَأَمَّا إِنِ اتَّحَدَ الشَّرْطُ وَتَعَدَّدَ الْمَشْرُوطُ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْمَشْرُوطَاتُ عَلَى الْجَمْعِ أَوْ عَلَى الْبَدَلِ ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ : إِنْ دَخَلَ زِيدٌ الدَّارَ فَأَعْطِهِ دِينَارًا وَدِرْهَمًا ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْبَدَلِ كَقَوْلِهِ : إِنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ فَأَعْطِهِ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا فَالْحُكْمُ كَمَا لَوِ اتَّحَدَ الْمَشْرُوطُ . وَأَمَّا إِنْ تَعَدَّدَ الشَّرْطُ وَاتَّحَدَ الْمَشْرُوطُ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الشُّرُوطُ عَلَى الْجَمْعِ أَوِ الْبَدَلِ ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَكَقَوْلِهِ : أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ أَبَدًا إِنْ دَخَلُوا الدَّارَ وَالسُّوقَ ، فَمُقْتَضَى ذَلِكَ تَوَقُّفُ الْإِكْرَامِ عَلَى اجْتِمَاعِ الشَّرْطَيْنِ ، وَاخْتِلَالُهُ بِاخْتِلَالِ أَحَدِهِمَا . وَإِنْ كَانَ عَلَى الْبَدَلِ كَقَوْلِهِ : أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِنْ دَخَلُوا السُّوقَ أَوِ الدَّارَ فَمُقْتَضَى ذَلِكَ تَوَقُّفُ الْإِكْرَامِ عَلَى تَحَقُّقِ أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ ، وَاخْتِلَالُهُ عِنْدَ اخْتِلَالِهِمَا جَمِيعًا . وَأَمَّا إِنْ تَعَدَّدَ الشَّرْطُ وَالْمَشْرُوطُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ وَالْمَشْرُوطُ عَلَى الْجَمْعِ أَوِ الْبَدَلِ ، أَوِ الشَّرْطُ عَلَى الْجَمْعِ ، وَالْمَشْرُوطَاتُ عَلَى الْبَدَلِ أَوْ بِالْعَكْسِ . فَإِنْ كَانَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ ، كَقَوْلِهِ : إِنْ دَخَلَ زِيدٌ الدَّارَ وَالسُّوقَ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا وَدِينَارًا ، فَالْإِعْطَاءُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى اجْتِمَاعِ الشَّرْطَيْنِ وَمُخْتَلٌّ بِاخْتِلَالِهِمَا أَوْ بِاخْتِلَالِ أَحَدِهِمَا . وَإِنْ كَانَ الْقِسْمُ الثَّانِي ، فَكَقَوْلِهِ : إِنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ أَوِ السُّوقَ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا ، فَإِعْطَاءُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَحَقُّقِ أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ ، وَاخْتِلَالُهُ بِاخْتِلَالِ مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ . وَإِنْ كَانَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ كَقَوْلِهِ : إِنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ وَالسُّوقَ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا فَإِعْطَاءُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى اجْتِمَاعِ الشَّرْطَيْنِ ، وَاخْتِلَالُهُ بِاخْتِلَالِ أَحَدِهِمَا . وَإِنْ كَانَ الرَّابِعُ كَقَوْلِهِ : إِنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ أَوِ السُّوقَ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا وَدِينَارًا ، فَإِعْطَاءُ الْأَمْرَيْنِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ وَمُخْتَلٌّ بِاخْتِلَالِهِمَا مَعًا ، وَسَوَاءٌ كَانَ حُصُولُ الشَّرْطِ دُفْعَةً أَوْ لَا دُفْعَةً ، بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا . وَمِنْ أَحْكَامِهِ : أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنِ اتِّصَالِهِ بِالْمَشْرُوطِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ ، وَإِنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَتَأْخِيرُهُ ، وَإِنْ كَانَ الْوَضْعُ الطَّبِيعِيُّ لَهُ إِنَّمَا هُوَ صَدْرُ الْكَلَامِ ، وَالتَّقَدُّمُ عَلَى الْمَشْرُوطِ لَفْظًا لِكَوْنِهِ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ فِي الْوُجُودِ طَبْعًا . وَلَوْ تَعَقَّبَ الشَّرْطُ لِلْجُمَلِ الْمُتَعَاقِبَةِ فَقَدِ اتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى عَوْدِهِ ، خِلَافًا لِبَعْضِ النُّحَاةِ فِي اعْتِقَادِهِ اخْتِصَاصَهُ بِالْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً أَوْ مُتَأَخِّرَةً . وَالْكَلَامُ فِي الطَّرَفَيْنِ فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ . وَالْمُخْتَارُ كَالْمُخْتَارِ ، وَلَا يَخْفَى وَجْهُهُ .

          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


          الخدمات العلمية