الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

الشوكاني - محمد بن علي بن محمد الشوكاني

جزء صفحة
فَصْلٌ : فِي طُرُقِ مَعْرِفَةِ الْعَدَالَةِ وَإِذْ قَدْ تَقَرَّرَ لَكَ أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا ، وَأَقْوَى الطُّرُقِ الْمُفِيدَةِ لِثُبُوتِهَا : الِاخْتِبَارُ فِي الْأَحْوَالِ بِطُولِ الصُّحْبَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ وَالْمُعَامَلَةِ ، فَإِذَا لَمْ يَعْثُرْ عَلَيْهِ عَلَى فِعْلِ كَبِيرَةٍ ، وَلَا عَلَى مَا يَقْتَضِي التَّهَاوُنَ بِالدِّينِ وَالتَّسَاهُلَ فِي الرِّوَايَةِ ، فَهُوَ ثِقَةٌ ، وَإِلَّا فَلَا . ثُمَّ التَّزْكِيَةُ ، وَهِيَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِخَبَرِ عَدْلَيْنِ مَعَ ذِكْرِ السَّبَبِ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ تَعْدِيلٌ أَوْ بِدُونِ ذِكْرِهِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى قَبُولِهِ ، وَيَكْفِي أَنْ يَقُولَ : هُوَ عَدْلٌ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ هُوَ عَدْلٌ رَضِيٌّ ، وَلَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا ، وَلَا وَجْهَ لِهَذَا ، بَلْ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا ، أَوْ عَلَى مَا يُفِيدُ مُفَادَ أَحَدِهِمَا يَكْفِي عِنْدَ مَنْ يَقْبَلُ الْإِجْمَالَ ، وَأَمَّا التَّعْدِيلُ مِنْ وَاحِدٍ فَقَطْ ، فَقِيلَ : لَا يُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ . قَالَ الْأَبْيَارِيُّ وَهُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَقِيلَ : يُقْبَلُ . قَالَ الْقَاضِي : وَالَّذِي يُوجِبُهُ الْقِيَاسُ وُجُوبَ قَبُولِ كُلِّ عَدْلٍ مَرْضِيٍّ ، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، حُرًّا أَوْ عَبْدًا ، شَاهِدًا أَوْ مُخْبِرًا ، وَقِيلَ : يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ اثْنَانِ ، وَيَكْفِي فِي الرِّوَايَةِ وَاحِدٌ ، كَمَا يَكْفِي فِي الْأَصْلِ ; لِأَنَّ الْفَرْعَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْأَصْلِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ ، كَمَا حَكَاهُ الْآمِدِيُّ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ . قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي اخْتَارَهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّ الْعَدَدَ لَا يُشْتَرَطُ فِي قَبُولِ الْخَبَرِ ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِي جَرْحِ رُوَاتِهِ ، وَلَا فِي تَعْدِيلِهِمْ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ ، وَأَطْلَقَ فِي الْمَحْصُولِ قَبُولَ تَزْكِيَةِ الْمَرْأَةِ ، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ النِّسَاءُ فِي التَّعْدِيلِ ، لَا فِي الشَّهَادَةِ ، وَلَا فِي الرِّوَايَةِ ، ثُمَّ اخْتَارَ قَبُولَ قَوْلِهَا فِيهِمَا ، كَمَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهَا وَشَهَادَتُهَا . انْتَهَى . وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ هَذَا بِكَوْنِهَا مِمَّنْ يَتَمَكَّنُ مِنِ اخْتِبَارِ أَحْوَالِ مَنْ زَكَّتْهُ ، كَأَنْ تَكُونَ مِمَّنْ تَجُوزُ لَهَا مُصَاحَبَتُهُ وَالِاطِّلَاعُ عَلَى أَحْوَالِهِ ، أَوْ يَكُونَ الَّذِي وَقَعَتْ تَزْكِيَةُ الْمَرْأَةِ امْرَأَةً مِثْلَهَا ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا سُؤَالُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِلْجَارِيَةِ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ عَنْ حَالِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ . وَقَدْ تَكُونُ التَّزْكِيَةُ بِأَنْ يَحْكُمَ حَاكِمٌ بِشَهَادَتِهِ ، كَذَا قَالَ الْجُوَيْنِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُمَا ، قَالَ الْقَاضِيَ : وَهُوَ أَقْوَى مِنْ تَزْكِيَتِهِ بِاللَّفْظِ ، وَحَكَى الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى هَذَا قَالَ : لِأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِ إِلَّا وَهُوَ عَدْلٌ عِنْدَهُ ، وَقَيَّدَهُ الْآمِدِيُّ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْحَاكِمُ مِمَّنْ يَرَى قَبُولَ الْفَاسِقِ الَّذِي لَا يَكْذِبُ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَهَذَا إِذَا مَنَعْنَا حُكْمَ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ ، أَمَّا إِذَا أَجَزْنَاهُ فَعِلْمُهُ بِالشَّهَادَةِ ظَاهِرًا يَقُومُ مَعَهُ احْتِمَالُ أَنَّهُ حَكَمَ بِعِلْمِهِ بَاطِنًا . وَمِنْ طُرُقِ التَّزْكِيَةِ الِاسْتِفَاضَةُ فِيمَنِ اشْتُهِرَتْ عَدَالَتُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَشَاعَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِالثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكْفِي . قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ الْخَطِيبُ وَنَقَلَهُ عَنْ مَالِكٍ وَشُعْبَةَ وَالسُّفْيَانَيْنِ وَأَحْمَدَ وَابْنِ مَعِينٍ وَابْنِ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرِهِمْ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : الشَّاهِدُ وَالْمُخْبِرُ إِنَّمَا يَحْتَاجَانِ إِلَى التَّزْكِيَةِ مَتَى لَمْ يَكُونَا مَشْهُورَيْنِ بِالْعَدَالَةِ وَالرِّضَا ، وَكَانَ أَمْرُهُمَا مُشْكِلًا مُلْتَبِسًا ، وَصَرَّحَ بِأَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ أَقْوَى مِنْ تَزْكِيَةِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كُلُّ حَامِلِ عِلْمٍ مَعْرُوفُ الْعِنَايَةِ بِهِ ، فَهُوَ عَدْلٌ مَحْمُولٌ فِي أَمْرِهِ عَلَى الْعَدَالَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ جَرْحُهُ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَغَارِبَةِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْعُقَيْلِيُّ فِي ضُعَفَائِهِ مِنْ جِهَةِ ابْنِ رِفَاعَةَ السَّلَامِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ ، وَقَالَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ وَهُوَ مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضِلٌ ضَعِيفٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ قَالَ فِيهِ الْقَطَّانُ : لَا نَعْرِفُهُ أَلْبَتَّةَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ غَيْرِ هَذَا ، وَقَالَ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ : سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقِيلَ لَهُ : تَرَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ ؟ فَقَالَ : لَا هُوَ صَحِيحٌ ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَفِيمَا قَالَهُ اتِّسَاعٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ . وَمِنْ طُرُقِ التَّزْكِيَةِ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الرَّاوِي ، حَكَاهُ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ ، وَنَقَلَ فِيهِ الْآمِدِيُّ الِاتِّفَاقَ ، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَدْ حَكَى الْخِلَافَ فِيهِ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ . وَقَالَ الْجُوَيْنِيُّ فِيهِ أَقْوَالٌ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ تَعْدِيلٌ لَهُ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَيْسَ بِتَعْدِيلٍ . وَالثَّالِثُ : - قَالَ وَهُوَ الصَّحِيحُ - أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ أَنَّهُ عَمِلَ بِدَلِيلٍ آخَرَ ، وَوَافَقَ عَمُلُهُ الْخَبَرَ الَّذِي رَوَاهُ فَعَمِلَهُ لَيْسَ بِتَعْدِيلٍ ، وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْخَبَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُمْكِنَ تَجْوِيزُ أَنَّهُ عَمِلَ بِدَلِيلٍ آخَرَ فَهُوَ تَعْدِيلٌ ، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ ، قَالَ : وَفَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِنَا عَمَلٌ بِالْخَبَرِ وَبَيْنَ قَوْلِنَا بِمُوجِبِ الْخَبَرِ ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُسْتَنَدُهُ ، وَالثَّانِي لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ ، لِجَوَازِ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ لِدَلِيلٍ آخَرَ . وَقَالَ الْغَزَالِيُّ إِنْ أَمْكَنَ حَمْلُ عَمَلِهِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَلَيْسَ بِتَعْدِيلٍ ، وَإِلَّا فَهُوَ تَعْدِيلٌ ، وَكَذَا قَالَ الْكِيَا الطَّبَرِيُّ . وَيُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنْ لَا يُوجَدَ مَا يُقَوِّي ذَلِكَ الْخَبَرَ ، فَإِنْ وُجِدَ مَا يُقَوِّيهِ مِنْ عُمُومٍ أَوْ قِيَاسٍ ، وَعَلِمْنَا أَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِهِ لَمْ يَكُنْ لِاعْتِضَادِهِ بِذَلِكَ فَلَيْسَ بِتَعْدِيلٍ . وَمِنْ طَرِيقِ التَّزْكِيَةِ : أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ مَنْ عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ عَدْلٍ كَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَشُعْبَةَ وَمَالِكٍ ، فَإِنَّ ذَلِكَ تَعْدِيلٌ كَمَا اخْتَارَهُ الْجُوَيْنِيُّ وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : هُوَ قَوْلُ الْحُذَّاقِ ، وَلَا بُدَّ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِنْ أَنْ يَظْهَرَ أَنَّ الرَّاوِيَ عَنْهُ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ عَدْلٍ ظُهُورًا بَيِّنًا إِمَّا بِتَصْرِيحِهِ بِذَلِكَ أَوْ بِتَتَبُّعِ عَادَتِهِ ، بِحَيْثُ لَا تَخْتَلِفُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ ظُهُورًا بَيِّنًا فَلَيْسَ بِتَعْدِيلٍ ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْحُفَّاظِ يَرْوُونَ أَحَادِيثَ الضُّعَفَاءِ لِلِاعْتِبَارِ ، وَلِبَيَانِ حَالِهَا ، وَمِنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ قَوْلُهُمْ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ، وَقَوْلُهُمْ : رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَوْ أَحَدُهُمَا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية